متى نستعيد تركيزنا المسلوب ؟
عن كتاب تركيزنا المسلوب ليوهان هاري
من فترة كنت جالس مع أصدقائي و بدون مناسبة قال أحدهم أنه لم يعد قادرًا على أن يشاهد فيلمًا واحد كامل, هذا صديقنا موسوعة الأفلام, و دار الحديث بنا إلى إستنتاج بسيط و و لكنه يحمل قدرًا من الحقيقة و هو التيك توك بماقطعه القصيرة للغاية لم تجعلنا قادرين على تحمل المقاطع الأكثر طولًا و المذاكرة و الأفلام, و كل شيئ تقريبًا سوى متابعة فيديو وراء فيديو.
و هذا ما جعلني حين قرأت عنوان هذا الكتاب " تركيزنا المسلوب " أعزم على قرائته فورًا.
على صعيد شخصي لقد حاولت كل شيئ تقريبًا من أجل أن أعاود الشعور بالتركيز مرة أخرى, مسحت مواقع التواصل الإجتماعي, جربت تطبقيات الحجب, أبعدت عني الهاتف, و حتى الطبيب النفسي, كنت أحاول في كل يوم تقريبًا أن أبتعد عن هذا العالم اللذي يسلبني تركيزي و لكني كنت كمحاول الخروج من بحر رمال, و كتاب تركيزنا المسلوب أحد تلك المحاولات.
بدأ الكاتب من منظور يُشابه منظوري, الكاتب كان يملك تركيزًا يتهاوى, و يمتلك أطنانًا من كتب لم يقدر على الشروع حتى في قرائتها, و كان يلتقي أصدقائه ليتحسروا سويًا على تركيزهم اللذي فقدوه, فقرر أن يبدأ رحلة من ثلاث شهور في مكان منعزل بدون أن يكون معه أي جهاز به إنترنت, فقط هاتف قديم لا يمكنه سوى إستقبال الإتصالات, و بعد هذه الرحلة اللتي سجل تطوراتها و كيف أثرت ليس فقط على تركيزه بل حياته من جوانب عديدة ذكرها, تلى الرحلة هذه, سنوات في مقابلات طويلة مع الأخصائيين و الأكادميين, علماء نفس و مخ و أعصاب, مهندسون وادي السيلكون, و القائمين بمبادرات, عدد مهول يشتت التركيز ليخرج بهذا الكتاب اللذي يتحدث عن التركيز.
هذا الكتاب مُهم لمن يدرك أنه في مشكلة, و لكن لا تنتظر منه حلولًا, كان لي نظرة ساذجة في البداية و أنا أنتظر جزء في الكتاب يقول الخطة السحرية للتخلص من هذا القيد و العودة مجددًا للتركيز و الإنجاز و لكن هذا لم يحدث, للأسف لا يوجد سر الخلطة.
من قواعدي المفضلة اللتي أحب أن أرددها كثيرًا أني " رجل بتاع المشاكل ", إن كنت تريد الوصول إلى حل, فلا تفكر في الحل, فكر في المشكلة و إفهمها بل و أحبها, لتصل, و هذا للحق ما فعله الكاتب, هو حفر عريضًا في مشاكل العالم اليوم, و حفر عريضًا أي أنه حفر حفر كثيرة غير عميقة لا سيمًا حفرة تصميم التطبيقات لأنها المشكلة الرئيسية, و لكنه أمر مقبول تمامًا في باقي الأسباب, و الجدير بالذكر أنه ليس كما توقعت أن المشكلة فقط في التطبقيات, بل هو نظام الحياة اليوم, النظام ككل.
نحن في بيئة اليوم نتلقى ما يتلقاه الجميع, جميعنا في غرفة واحدة, و ننظر من نفس الشاشة, على أشياء بعضها واحد و بعضها مصمم طبقًا لميولنا, و لكن الشيئ الجامع هو تركيزنا على موضوع من المواضيع, سرعة ظهور و إندثار الموضوع ( التريند) صار متسارع بشكل كبير, و صرنا ننسى سريعًا, و مثالًا حاول تذكر آخر حادث كبير راح فيه ضحايا, في السابق ما كان من الممكن أن يأخذ من تركيزنا أسابيع صرنا نركز عليه يومًا أو يومين و ننتقل لموضوع آخر, و هذا التنقل السريع خطير, لأنه ببساطة تخيل أن تكون آفة حارتنا النسيان و نسارع نحن هذا النسيان, فلا نتوقف أمام حدث مُعين, حتى الأحداث المُسببة للقضايا الكُبرى تُنسى سريعًا.
من الأفكار الرئيسية اللتي ناقشها الكتاب هو عدم لوم الذات, لأنِ كنت ألوم ذاتي حد الجلد, و لكن إن كانت نفسي كما كنت ألومها كسولة و غير منضبطة, و لكن هذا يعني ان العالم كله كسالى و غير منضبطين ؟ الأمر أعمق من حياتي الشخصية, لأننا صرنا في بيئة تجعل التركيز أمرًا صعبًا و عسيرًا على الجميع, و ليس فشلًا شخصيًا مني أو من أي حد, بل هو ما نظام الحياة اللذي يفعل بنا جميعًا.
إن تنقلنا السريع من تطبيق إلى تطبيق و إدماننا على هذا التنقل, جعل إستغراقنا في أمر من الأمور أقل بكثير¸لم نعد ننخرط في عمل أو مشاهدة أو قراءة أو حتى المكوث صامتين نفكر في ملكوت الله, دون مقاطعة, سواء نقطعها نحن بالتصفح أو بأحد الإشعارات, لم نعد قادرين على التركيز على عمل من الأعمال طويلًا, و هذا خطير, فهذا يبعد تواصلنا مع العالم الحقيقي حولنا و مع أنفسنا, يتقلص وقت كل شيئ تقريبًا في هذا العالم الموحش اليوم, عمل 9 ل 5 و النوم بالكاد و كأننا في سباق و لا وقت تقريبًا للفراغ, في المواصلات إسمع بودكاست وهناك الوقت اللذي يستقطعه العالم الإفتراضي, معلومات...معلومات...معلومات تستقبلها و لكن متى ستجلس مع نفسك لتهضم حتى هذه المعلومات و تفكر فيها ؟
عرض الكتاب المُشكلة اللتي نعانيها بشكل جيد و لكنِ رأيت الحلول اللتي طرحها الكتاب مُفرطة في سطحيتها و سذاجتها, فمثلاً إقترح الكتاب أن من أحد الحلول أن تقوم حركات كالحركات النسوية أو حركات دعم المثليين حتى نستطيع إقناع شركات رأسمالية المراقبة بتقليل الخاصيات اللتي تسبب إدمان إستخدامها, هذا بالظبط كأن تذهب لكنتاكي و تقول له أنه لابد أن يتوقف عن بيع الدجاج المقلي, و بدلًا منه المُفترض أن يقدم دجاج مشوي و صحي, الرد اللذي يتحلى بأقل قدر من منطق هذه الشركات سيكون " لا تجعبك لا تشتريها" أو لا تستخدمها, بهذه البساطة.
المشكلة الرئيسية و إن كانت في إدماننا هواتفنا, ليس فقط هذه هي المشكلة, إنما في النظام ( الرأس مالية ) و تفاصيله اللتي نعشيها, النظام اللذي خلق سوبرماركت مهول بألاف من منتجات تشتتي تركيزي, و النظام اللذي يجبرني على عدد ساعات عمل لا نهائية تضعف من تركيزي, النظام اللذي وجهني لنظام طعام مصنع و سريع و يتماشى مع سرعة هذا النظام, و هذه المعاناة اللتي أعاني منها أنا و الكاتب يستفيد منها هذا النظام, خلق حل في إتجاه معاكس لهذا التيار سُخف, حملات النسوية و دعم المثليين هي حملات في نفس تيار النظام¸ و لكن إن أردت التفكير في حلول واقعية, يجب معرفة أن هذا النظام واقع, و تياره واقع, و أن الحلول إن أتت ستأتي مصاحبة لتيّاره, فإن خلقت أهمية لتكيزك عند الشركات المُسيطرة, و لو كان لحفاظك على تركيزك ربح أكبر من فقده, حينها فقط ستجد الحلول تظهر.
أعلم تمامًا أن موقفي من وسائل التواصل الإجتماعي و تعاملنا اليوم مع التيكنولوجيا من الممكن أن يبدو شديد التخلّف لأني رأيتها في أعين أصدقائي في نقاشاتنا حول الأمر, و لكنِ أرى مُعاناتي في هذا العالم الإفتراضي, و أشعر أنه يسلبني تركيزي و وقتي, و حين لُمت نفسي بأني مُدمن ضعيف النفس, إكتفشت أن هذا الأمر كُله مصمم خصيصًا لكي أدمنه و أستخدمه و أستخدمه و أستخدمه, و أني لست وحدي اللذي أعاني في هذه الناحية, هُناك على الأقل الكاتب, نشعر أننا صرنا جميعًا في غرفة واحدة, و لكنِ لا أرى باب الخروج
.


صارت عندي تجربة انعزال عن التقنية ولكن بشكل مختلف. دخلت السجن سنة ونصف لم يكن فيها اي استخدام لاي وسيلة تقنية. انبهرت من نفسي عندما شعرت ان اغلب ما اعرفه (او ظننت اني اعرفه) نسيته او لا اتذكره في السجن. قد تكون صدمة دخول السجن مؤثرة ولكن اعتقد المشكلة الاساس هي في تلقينا للمعلومات من الأساس ، معلومات تلو الاخرى بوتيرة سريعة لا يوجد وقت لهضمها مثلما تفضل الكاتب في توضيحها في المقال. الوصول السريع للمعلومات عن طريق جوجل جعلنا لا نتذكر شي ، لان ببساطة يمكننا فتح الهاتف والبحث في اي وقت، عندما تفقد هذه الوصول إلى جوجل مثل ما حدث معي تعرف ماذا بقي في ذاكرتك. عذرا على الاطالة ولكن احببت مشاركة تجربتي.
في يوم من الأيام قررت انا وصديقاتي بيننا نقاطع السوشل ميديا ، ولكن ليس ذلك فقط بل الهاتف بأكملة . استخدمنا الهواتف القديمه مثل نوكيا والتجربه كانت أجمل من الخيال . أنا إنسانة احب الاختلاط مع حولي ، ليس الأشخاص لكن محيطي مثلا ، الشباك وماذا يوجد خلّفه . ألاحظ زقزقه العصافير وكيف تتجمع تحت الظل وتتسلق فوق الشبك. ألاحظ الحديده البعيده كم تصدأت واصبحت قديمه . أصبحت اختلط مع أبناء اخوتي اكثر واللعب معهم اكثر . كنت اذهب لعمل قهوه وحلا للجلوس مع عائلتي وقت العصر . وأما اصدقائي؟ كانت مكالمتنا لا تنتهي بالضحك والأخبار عن يومنا وماذا نفعل . كنا منشغلين ولدينا أشياء نتكلم عنها فيما فعلت ومالم افعل . اصبحنا مستمتعين مع بعضنا اكثر . وبالنسبة لي أصبحت ايضاً افضل المكالمات بدل عن الرسائل النصية .
تلك التجربة هي الوحيده التي سوف أعيدها ونا مستمتعة .