لماذا تفعل ما تفعل
هعمل ايه …هعمل ايه… هعمل ليه ؟
قضيتُ فترة طويلة من حياتي أسأل نفسي سؤالًا متكررًا بطريقة محمومة؛ كل ساعة، وكل لحظة من حياتي، السؤال نفسه: “هتعمل إيه؟”... “هتعمل إيه؟”... “هتعمل إيه؟”
لكنني أدركت، في لحظةٍ انتظرتها طويلًا وتأخرت، السؤال الذي كان من المفترض أن أطرحه منذ البداية: “هتعمل ليه؟”
لماذا أقوى من ماذا؛ لأن “لماذا” تعكس معنى، أما “ماذا” فمجردة، مقتصرة على الأحداث.
وهنا جاء سؤالي: لماذا تفعل ما تفعل؟ وهل هناك إجابة أسمى من إجابة؟
الكل يريد أن يكون اسمه على الغلاف. الكل يخاف أن يكون شفافًا، أن يكون شخصًا عاديًا يمر. الكل يبغي الوصول، الكل يبغي الظهور، الكل يريد التاج، ولو كان من ورق. لكنه تاج، وفي الأول وفي الآخر، تاج يميز بين الناس.
حين أرى أسماء أصدقائي على التترات، وعلى الأغلفة، وفي النهاية: صُنع بواسطة فلان، ومن كتابة علان، يتحرك صوت داخلي: وأنت؟ ألن تصنع شيئًا؟
فأرد على نفسي: أنا لست موهوبًا من الأساس، أنا موهوم.
ويرد صوت ثالث في عقلي: الموهبة هي أن تريد أن تقول شيئًا.
وهل أريد أن أقول شيئًا؟ وهل كل الناس يريدون أن يقولوا شيئًا؟
حين أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، أتخيلني أسير في سوق؛ سوق يقول فيه الجميع: “أنا أهو”. سوق يملك الجميع فيه ميكروفونات، ويملك الجميع ما يُكتب عليه اسمه على الغلاف.
أرى فروعًا لهذا السوق الواسع: فروعًا للكتابة، وفروعًا للأغاني والرسوم، وفروعًا علمية، وأخرى أدبية. فروع كثيرة.
تعزز رغبتي الذاتية في خلق شيء، وتعزز شكي في أن ما أريد خلقه هو، بالأساس، “أنا أهو” كبيرة؛ رغبة في رؤية اسمي أنا الآخر على الغلاف، وعلى التتر، لا لأن لدي شيئًا أريد قوله، بل لأنني أريد الظهور.
ثم يعود صوت ثالث، ورابع.
حين أقابل أحد طلبتي متوترًا بسبب نتيجة امتحان، أكرر لهم قولًا ملّوه وحفظوه:
أحبّ العمل واعمله دون انتظار نتائج لهذا العمل.
لو كنت الأول، فذاكر لأنك تحب المذاكرة، لا لأنها تجعلك الأول. ولو كنت الأخير، ألن تذاكر؟
افعل ما تريد فقط بحب.
هل تعرف نجيب محفوظ، الأسطورة الحاصل على نوبل؟
كان يكتب يوميًا دون انقطاع عن روتينه. حين كُفِّر بسبب أولاد حارتنا كتب يوميًا، وحين فاز بنوبل حافظ على روتينه، حتى في يومها.
أتفهمون قصدي؟
يشير بعضهم أنهم فهموا، وبعضهم لا.
لكن أحدهم سألني: أأنت تفعل ما تحب بانغماس، بغض النظر عن النتائج؟
سكتُّ سكتة معناها: أنا مدرس، لكني لست قدوة ولا ملاكًا، لكن هذا هو الطريق الصحيح.
أحب كثيرًا في كايروكي، الفريق الموسيقي الأثير إلى قلبي، أنهم يحبون صناعة الأغاني أكثر من النجاح، والنقود، والشهرة.
حين كان يسمعهم خمسون شخصًا، كانوا في الاستوديو يعزفون الموسيقى لأنهم يحبونها. وحين صار يسمعهم مائة، وألف، ومليون، ومائة مليون، ظل الشيء نفسه: هم في الاستوديو يعزفون الموسيقى لأنهم يحبونها.
لهذا تأتي هذه النماذج إليها النجاحات صاغرة — باعتبار هذا هو معيار النجاح عند الناس — لكنها، بمعاييرهم هم، وبمعايير سوقهم الداخلي، كانت ناجحة منذ البداية.
أفكر فيهم، ثم أعود لأفكر في ذاتي:
هل أنت مثلهم؟
ثم أغيب عن نفسي، وأعيّن نفسي رقيبًا على الناس:
هذا يكتب لأنه يحب الكتابة فعلًا، وهذا يكتب لأنه يحب أن يرى اسمه على الغلاف.
ثم أعود إلى نفسي، مشككًا في كل خطواتي:
أنت تدرس لأنك تحب أن يُقال عنك شيء؟ أم أنك بالفعل تحب الدراسة؟
أنت تكتب الشعر لكي تكون الوحيد في الجلسة الذي يستطيع أن يقول: “كتبت قصيدة عن هذا”؟ أم أنك تحب الشعر فعلًا؟
هل ستجلس في غرفة مغلقة، تكتب الشعر دهرًا، دون أن يمر عليك الزمن؟ أم ستخرج بعد يومين براية بيضاء، لتجلس في الصف مرتاحًا؟
مكتبتك هذه، هل هي لكي يراها الناس فينبهروا؟ أم أنك تحب أن تخفيها عن العيون كلها؟ أم أنها لعينيك أنت؟
أنت لم تقرأ ربعها، فلماذا المزيد؟ ولماذا تعتبر نفسك قارئًا؟
هل أنت في المكان الذي أنت فيه لأنك تريده؟ أم أنه المكان الطبيعي لمثلك أن يكون فيه؟
تحاصرني هذه الأسئلة أحيانًا. في بعض الأحيان أتغلب عليها، وفي أحيان أخرى تتغلب عليّ.
أحيانًا تغلبني رغبة أن أصنع شيئًا، وأحيانًا تغلبني رغبة الأسئلة.
لكن الرغبة الوحيدة التي سأعلن وفاتي قبل وفاتي بها، هي خفوت رغبتي في المحاولة.
المحاولة شرف، أشرف من شرف الوصول.
وأنا أحاول أن أجد “الليه” الخاصة بي
Artwork by Laura Makabresku

